قبل أن نختم موضوع الوجود، لا بد أن نعرّف ما المقصود بالخالق. الخالق ليس كائنًا داخل الكون، ولا شيئًا من بين الأشياء. الخالق هو أصل الوجود غير المخلوق: الذي أوجد كل شيء، ويقيم كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء.
معنى الخالق
أن نقول عن شيء إنه الخالق يعني أن كل ما سواه يستمد وجوده منه. الكون، والزمن، والمادة، والحياة، والوعي، وكل غيب لا يستقل بنفسه؛ بل هو مخلوق قائم بإرادة من لا يحتاج إلى خالق.
لذلك لا يُفهم الخالق كنسخة أقوى من المخلوق. المخلوقات تبدأ وتتغير وتحتاج وتتعلم وتضعف وتنتهي. أما الخالق فهو منزه عن هذا الاحتياج: غير مخلوق، أزلي، غني، عليم، قدير، واحد.
ما ليس هو الخالق
ليس داخل الخلق
الخالق ليس جزءًا من الكون. المكان والزمان والمادة والجهة حدود مخلوقة، ومن خلقها لا تحيط به.
ليس مخلوقًا
لو كان الخالق مخلوقًا لما كان أصل الوجود. الخالق هو السبب غير المسبوق، الذي لا يعتمد وجوده على ما قبله.
ليس إنسانًا
الإنسان مخلوق محدود محتاج ويموت. ومن كان يضعف ويحتاج ويموت لا يكون خالق الوجود.
ليس قوة عمياء
الخالق يعلم ويريد ويسمع ويرى ويأمر ويعطي ويمنع ويحاسب ويجيب. ليس طاقة صماء ولا قانونًا بلا علم.
ليس إلهًا بين آلهة
الكمال المطلق لا يتجزأ بين خالقين متنافسين. أصل الوجود لا بد أن يكون واحدًا، قاهرًا، لا شريك له.
لا يحيط به مخلوق
يعرف الخلق ربهم بآياته وأفعاله وأسمائه ووحيه، لكن لا يحيط عقل مخلوق بحقيقة ذاته.
ما يعرفه العقل
العقل يدرك أن الوجود لا يفسر نفسه بنفسه. ما يبدأ ويتغير ويحتاج إلى شروط لا يكون هو التفسير النهائي لوجوده. لا بد أن تنتهي السلسلة إلى حقيقة واجبة: غير مخلوقة، أزلية، مستقلة، قادرة على إيجاد الوجود، عليمة بما تنظم به الخلق، ومريدة لاختيار وجوده.
هنا تنتهي البراهين العقلية: لا إلى قوة غامضة فحسب، بل إلى الخالق الواجب لكل ما سواه.
من صاحب هذه الدعوى؟
بعد أن يحدد العقل ما يلزم في الخالق، يصبح السؤال: من ادعى هذا المقام وأقام الدليل عليه بوحي محفوظ وآيات وأسماء ومعنى متماسك للوجود؟ جواب الإسلام هو الله. وليس هذا اسم إله قبلي ولا اختراعًا متأخرًا، بل هو داخل الامتداد السامي الأقدم الذي خاطب به البشر ربهم. وفي الآرامية، لغة عيسى عليه السلام وتلاميذه، يظهر الاسم قريبًا من العربية: ʾAlaha.
ويعلم القرآن والسنة أسماء الله الحسنى، وكل اسم منها يكشف صفة من صفات الكمال: الرحمة، والعلم، والحكمة، والقدرة، والمغفرة، والعدل، وغيرها. هذه الأسماء ليست ذواتًا منفصلة، بل أوصاف حق للخالق الواحد.
الضمير
عند الحديث عن الخالق نستخدم "هو" لأن ذلك هو ما جاء في الوحي المحفوظ: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" (الإخلاص: 1). هذا لا يجعل الله إنسانًا؛ بل يتبع وصف الله لنفسه مع التأكيد أنه منزه عن حدود البشر وحاجتهم وضعفهم وموتهم.
الصفات الأساسية
1. غير مخلوق
الله ليس نتاج شيء، ولم يولد، ولم ينشأ من غيره. هو وحده واجب الوجود غير المسبوق.
2. الغني
الله غني عن الحاجة مطلقًا، وكل شيء محتاج إليه في كل لحظة، ولا ينقص عطاؤه من كماله.
3. الأزلي الأبدي
لا بداية له ولا نهاية. الزمن نفسه من خلقه، وهو غير مقيد به.
4. العليم
لا يغيب عن علمه شيء: الغيب والشهادة، الماضي والمستقبل، السر والعلن.
5. القدير
كل قوة وحركة ونفس قائم بقدرته. قدرته مطلقة ولا تنقص.
6. الواحد
الله واحد لا شريك له ولا مثيل. توحيده هو أساس العبادة الحق.
