لماذا يتواصل الخالق؟
السؤال المركزي: إذا كان الخالق موجودًا، فهل ينبغي أن نتوقع أن يخاطبنا؟
خطوة أولى من الإيمان بخالق هادف إلى معقولية توقع الوحي.

لنفترض أنك وصلت إلى أن وجود خالق أمر راجح. فالكون له بداية، وبنيته تبدو مضبوطة للحياة، والعقل والأخلاق يصعب تفسيرهما بوصفهما مجرد مصادفات. لا يعني هذا يقينًا كاملًا، لكن ثقل الأدلة يميل نحو مصدر وراء الواقع، مصدر قادر وهادف.
هنا يظهر سؤال طبيعي يستحق أن يؤخذ بجدية: حسنًا، ربما صنع شيء ما هذا كله. لكن لماذا يخاطبني؟ أليست فكرة الكتب المقدسة والرسل مجرد أمنية أُلصقت بنتيجة عقلية محترمة؟
هذا هو السؤال الصحيح في هذه المرحلة، ومع ذلك قلما يطرحه الناس بصراحة. فبعضهم يفترض أن الوحي بديهي لأنه نشأ عليه، وبعضهم يفترض أنه سخيف لأنه يبدو له بدائيًا. وكلاهما طريق مختصر. تسلك هذه المقالة طريقًا أبطأ: مع تنحية كل كتاب بعينه، هل من المعقول أصلًا أن نتوقع من الخالق أن يتواصل؟ ليس السؤال هنا أي رسالة هي الحق، بل هل وجود رسالة هو مما ينبغي توقعه ابتداء.
صورتان للخالق
إذا جردنا المسألة وجدنا أمامنا صورتين أساسيتين.
في الصورة الأولى، يضع الخالق الكون في الحركة ثم ينسحب، كمهندس كوني بنى الآلة وشغلها ثم مضى غير مكترث بما يجري داخلها. في هذه الصورة يكون توقع التواصل سذاجة؛ فالمهندس لا يهتم بتروس الآلة.
وفي الصورة الثانية، ليس الخالق مجرد سبب أول، بل سبب هادف، وهو المصدر نفسه الذي ترجع إليه غاياتنا وعقولنا وحسنا الأخلاقي. هنا ينقلب السؤال. فخالق أوجد عمدًا كائنات قادرة على أن تسأل: لماذا أنا هنا؟ ثم لم يقل لها شيئًا البتة، يكون قد فعل أمرًا عجيبًا حقًا.
لاحظ أن المقالات السابقة في هذه السلسلة تجاوزت بالفعل الصورة الأولى. فالمهندس المجرد لا يفسر النظام الأخلاقي الذي نصطدم به، ولا العقول التي تطلب المعنى بدل أن تعالج المدخلات فحسب. الدليل الذي أشار إلى خالق أشار إلى خالق هادف. ومتى حضرت الغاية صار الصمت هو ما يحتاج إلى تفسير، لا الكلام.
المؤلف الذي يرفض الكلام
هنا يكمن التوتر في قلب المسألة.
تخيل مؤلفًا يكتب رواية ويملؤها بشخصيات مصنوعة بعمق حتى تصير واعية: تفكر وتتساءل وتتألم لمعرفة سبب وجودها وما الذي يراد منها. ثم تخيل أن المؤلف لا يكتب لها بعد ذلك كلمة واحدة: لا ملاحظة، ولا إشارة، ولا شيء. تترك الشخصيات لتخمن غايتها إلى الأبد، وقد زودت بوعي يكفيها للشعور بغياب الجواب، ولا يكفيها لتلقيه.
لقد فعل ذلك المؤلف شيئًا يكاد يكون قاسيًا، وهو على الأقل غريب. لماذا يمنح الشخصية جوعًا إلى المعنى ثم يحجب عنها كل وسيلة لإشباعه؟
هذه هي الحال التي سيتركنا فيها خالق صامت. فالإنسان ليس مبنيًا كبقية العالم الطبيعي. الحجر لا يسأل عن غايته. والحيوان لا يسهر ليلًا يتساءل هل لحياته معنى. أما نحن فنفعل ذلك، في كل ثقافة وكل قرن. نحن الجزء من الخلق الذي يحمل أسئلة لا يستطيع الخلق نفسه أن يجيب عنها: ما الغاية من هذا كله؟ ماذا يحدث عندما أموت؟ كيف ينبغي أن أعيش؟ يستطيع العقل أن يقطع في هذه الأسئلة شوطًا طويلًا، لكنه ينتهي تمامًا عند الموضع الأشد أهمية، لأن الأجوبة تتعلق بحقائق لا نستطيع مشاهدتها أو قياسها.
لذلك نجد أنفسنا أمام تطابق غريب، أو بالأدق أمام فجوة غريبة إن كان الخالق صامتًا. فالأسئلة مزروعة فينا، أما وسائل الجواب عنها بأنفسنا فليست كذلك. وهذه الفجوة هي بالضبط الشكل الذي يملؤه الوحي.
لماذا يترك العقل وحده فجوة؟
ينبغي الحذر هنا، لأن الحجة يمكن أن تتجاوز حدها. فالقول ليس إن العقل عديم الفائدة، ولا إن علينا أن نكف عن التفكير ونؤمن فقط. هذه المنصة كلها تقوم على العكس: العقل أولًا. النقطة أضيق وأصدق من ذلك.
العقل بارع في أسئلة معينة ومحدود بنيويًا في أسئلة أخرى. يستطيع أن يخبرك كيف يعمل العالم المادي، وما الذي يلزم منطقيًا عن ماذا، وكيف تزن الأدلة. لكنه لا يستطيع وحده أن يعطينا معرفة موثوقة بأمور تقع كليًا خارج المشاهدة والاستدلال: ماذا يأتي بعد الموت إن كان ثمة شيء؟ ماذا يريد الخالق؟ ما غايتنا النهائية؟ في هذه المسائل يستطيع العقل رسم الاحتمالات واستبعاد المتناقض، لكنه لا يستطيع أن يذهب إلى الجهة الأخرى ثم يعود بتقرير موثق. لا أحد يرجع من وراء التجربة ليقدم حسابًا محققًا.
تخيل محققًا لامعًا يعمل في قضية صمت فيها الشاهد الأهم صمتًا دائمًا. يستطيع المحقق أن ينجز عملًا مدهشًا: يعيد بناء الوقائع، يستبعد المستحيلات، ويضيق دائرة الاحتمال. لكن هناك حقائق لا يملكها إلا ذلك الشاهد الصامت، ولا يستخرجها أي قدر من الذكاء إن لم يتكلم الشاهد. الوحي، إن كان حقيقيًا، هو اختيار الشاهد أن يتكلم، وأن يمدنا تحديدًا بالمعلومات التي عجز العقل بنيويًا عن تحصيلها وحده.
لهذا ليس الوحي عدوًا للعقل، بل متممًا طبيعيًا له. العقل يمهد الأرض ويمتحن كل دعوى؛ والوحي، إن كان صادقًا، يقدم الأجوبة التي استطاع العقل أن يحدد شكلها دون أن يملأها.
ما الذي تثبته هذه الحجة وما الذي لا تثبته؟
من المهم أن نكون دقيقين فيما ثبت وما لم يثبت، لأن المبالغة هنا تهدم كل شيء.
هذه الحجة لا تثبت أن كتابًا بعينه حق. لا تثبت أن القرآن أو الكتاب المقدس أو الفيدا أو أي نص آخر يحمل كلام الخالق. ولا تثبت وحدها أن وحيًا قد وقع قطعًا. هذه أسئلة منفصلة، وتحتاج إلى أدوات منفصلة.
ما تثبته أكثر تواضعًا وأهم مما يبدو أولًا: أن الوحي متوقع لا غريب. إذا كان الخالق هادفًا، فإن صدور تواصل منه هو بالضبط مما ينبغي للعاقل أن يبحث عنه، لا أن يرفضه مسبقًا بوصفه خرافة. هنا ينتقل عبء الغرابة. لم يعد الموقف الغريب هو: ربما تكلم الخالق. بل صار الموقف الغريب هو: خالق صنع كائنات تتعطش إلى الأجوبة ثم اختار أن يبقى صامتًا صمتًا تامًا.
هذا الانتقال هو وظيفة المقالة كلها. إنها لا تعطيك وجهة نهائية، بل تقول إن الطريق يستحق السير، وتشير إلى الخطوة التالية. فبمجرد أن تقبل أن الوحي شيء متوقع لا مستبعد، تظهر مشكلة عملية ملحة: نصوص كثيرة تدعي أنها ذلك الوحي، وهي تتناقض فيما بينها. لذلك لا يمكنك أن تقبل أول نص تلقاه، ولا النص الذي نشأت داخله فحسب. تحتاج إلى طريقة تختبر بها هذه الدعاوى بعدل وصرامة ودون أن تقرر النتيجة مسبقًا.
وبناء ذلك الاختبار هو حيث يقود الطريق بعد ذلك.
