مشكلة الشر والمعاناة
السؤال المركزي: هل تُعد المعاناة في العالم دليلًا ضد خالق خير؟
حجة متأنية تقر بواقعية المعاناة وخطورتها، لكنها لا تجعلها نقضًا حاسمًا لخالق خير.

كلمة قبل الحجة. هذا هو السؤال في هذه المنصة الذي نادرًا ما يطرح من مسافة باردة. أكثر من يضغطون عليه لا يمارسون لعبة مناظرة، بل يحملون فقدًا حقيقيًا، وظلمًا حقيقيًا، وألمًا لم يصنعه المنطق ولن يشفيه المنطق وحده. أي معالجة صادقة يجب أن تبدأ بالاعتراف بذلك. ما يلي محاولة للتفكير بوضوح في المعاناة، لا لتبديدها، ولا قطعًا لإخبار أحد بأن حزنه سوء فهم. التفكير الواضح والعزاء الحقيقي شيئان مختلفان، وهذه المقالة لا تستطيع أن تقدم إلا الأول.
مع ذلك، يستحق الاعتراض أن يصاغ بأقوى صورة، لأنه أخطر تحد يواجه الاعتقاد بخالق هادف وخير.
الاعتراض في أقوى صوره
تسير الحجة هكذا، وقد طرحت منذ آمن الناس بالله:
الخالق الخير يريد منع المعاناة. والخالق القادر يستطيع منع المعاناة. ومع ذلك فالمعاناة في كل مكان: ليست فقط المعاناة التي يسببها البشر لبعضهم، بل الزلازل والمرض وآلام الأطفال الذين لم يفعلوا شيئًا يستحقون به ذلك. إذن إما أن الخالق يريد إيقافها ولا يستطيع، فلا يكون كلي القدرة، أو يستطيع إيقافها ولا يريد، فلا يكون كلي الخير. ويخلص الاعتراض إلى أن حجم المعاناة وظهور عبثيتها يفسران على نحو أفضل بكون لا يدبره أحد، لا بكون يديره خالق يريد المساعدة ويقدر عليها.
هذه ليست حجة ضعيفة، ولا ينبغي أن تقابل بجواب ضعيف. إنها أفضل سبب قدمه إنسان مفكر للشك في خالق خير. وإذا بدا الجواب سريعًا جدًا أو مرتبًا أكثر من اللازم، فقد فشل الجواب.
ما الذي يجب أن يكون صحيحًا كي ينجح الاعتراض؟
انظر بدقة إلى محرك الحجة الخفي. كل شيء يدور على افتراض مدفون واحد: أنه لا يمكن أن يوجد سبب خير يسمح بأي من هذه المعاناة. فإذا أمكن حتى لبعض المعاناة أن تخدم غاية تبرر السماح بها، فإن النسخة المحكمة من الاعتراض، وهي أن الخالق الخير سيمنع كل ذلك، تنكسر. ويبقى لنا سؤال أصعب وأصدق: لا هل أي معاناة مستحيلة، بل هل هذا القدر وهذه الأنواع من المعاناة منسجمة مع خالق خير؟
إذن السؤال الحقيقي هو هل يمكن أن يكون السماح بالمعاناة متوافقًا يومًا مع الخير. وهنا تقول خبرتنا العادية نعم، بوضوح، وفي حالات لا ينازع فيها أحد.
الأب الذي يترك طفله يتعثر وهو يتعلم المشي ليس قاسيًا؛ فالتعثر لا ينفصل عن تعلم المشي. والجراح الذي يقطع لا يرتكب اعتداء؛ فالجرح طريق الشفاء. والمدرب الذي يدفع اللاعب إلى الإرهاق ليس عدوًا؛ فالشد هو طريق بناء القوة. في كل حالة من هذه الحالات، يسمح فاعل خير، بل قد يسبب، ألمًا حقيقيًا، لأن الألم مرتبط بخير لا يبلغ بغيره.
لاحظ ما تثبته هذه الأمثلة. إنها لا تثبت أن كل معاناة لها هذا التبرير. لكنها تثبت أمرًا أضيق وقاتلًا للصيغة الأقوى من الاعتراض: أن السماح بالمعاناة والخيرية ليسا متناقضين. يمكن لفاعل خير وقادر أن يملك أسبابًا للسماح بالألم. وما إن يفتح هذا الباب ولو قليلًا، حتى لا يعود القول إن الخالق الخير سيمنع كل معاناة لازمًا تلقائيًا. يجب أن يبرهن، ويتبين أن برهانه صعب جدًا.
حدود زاوية نظرنا
هنا تحتاج الحجة إلى أكثر خطواتها حذرًا، لأن المبالغة سهلة.
الصيغة الأقوى للاعتراض تزعم أن كثيرًا من المعاناة عبثي، أي لا يخدم أي غرض. لكن لاحظ ما الذي يلزمك لكي تعرف ذلك. لكي تجزم أن حالة معاناة معينة عديمة الغاية حقًا، ستحتاج إلى رؤية كل نتيجة تطلقها، عبر كل حياة تمسها، وفي كل مستقبل تشكله. لا يوجد إنسان يقف في تلك الزاوية. نحن نرى شريحة فقط.
تأمل كم يحدث هذا حتى داخل حياة إنسان واحد. خسارة بدت بلا معنى في وقتها قد يرى صاحبها بعد عقود أنها حولت مسار حياته إلى شيء لم يكن ليبلغه بغيرها. لم يكن يرى المعنى وهو في داخلها؛ ظهر المعنى من مسافة أبعد على الطريق. والآن وسع الفجوة: من المسافة بين الإنسان ومستقبله الشخصي إلى المسافة بين عقل محدود وخالق النظام كله. الخلاصة الصادقة ليست: إذن كل معاناة لها غرض خفي. بل هي أحرص من ذلك: لسنا في موضع يسمح لنا أن نعلن أنها بلا غرض.
يستحق هذا أن يقال بدقة، لأنه قد يساء استعماله في الاتجاهين. ليس المقصود أن نتوقف عن الاكتراث بالمعاناة، ولا أن كل مأساة تأتي ملفوفة بسبب مرتب ينبغي أن نفتش عنه. التعامل مع الألم الحقيقي كأنه لغز له حل أنيق هو بالضبط البرودة التي تحاول هذه المقالة تجنبها. النقطة منطقية لا عزائية: الاعتراض احتاج إلى إثبات أن المعاناة بلا غاية لكي يوجه ضربته الأقوى، وهذا بالضبط ما لا تستطيع زاوية نظر محدودة إثباته. حجة الشر تفترض بهدوء منظور الإله المحيط لكي تنكر الإله. وهذه أضعف مفاصلها.
كلفة البديل
هناك حركة ثانية في الاعتراض تستحق الفحص. فهو يقول إن المعاناة تفسر على نحو أفضل بكون لا يدبره أحد. لكن اتبع هذا الطريق وانظر إلى أين يصل.
إذا لم يوجد خالق ولا نظام أخلاقي، فالمعاناة ليست مشكلة أصلًا؛ إنها فقط ما يحدث. ذرات يعاد ترتيبها، وبعض الترتيبات تتضمن ألمًا، ولا شيء من ذلك ظالم، لأنه في كون بلا غاية لا يوجد معيار عدل ينتهكه. الزلزال ليس خطأ؛ إنه فيزياء فقط. ومعاناة البريء ليست فضيحة أخلاقية؛ إنها مجرد حدث.
لكن لا يكاد أحد يستطيع أن يعيش داخل هذه النتيجة حقًا. إن قوة مشكلة الشر نفسها تأتي من قناعة عميقة بأن معاناة البريء خطأ حقيقي، لا مجرد أمر مؤسف، بل خطأ، وانتهاك لما ينبغي أن يكون عليه العالم. هذه القناعة هي التي تقوم بكل العمل الوجداني في الاعتراض. وهي قناعة مستعارة. فالإحساس بأن المعاناة ظلم لا مجرد حدث يفترض بالضبط نوع النظام الأخلاقي الموضوعي الذي يشير ابتداء إلى الخالق. الاعتراض، في أقوى صوره، يقف على الأرض نفسها التي يحاول هدمها. وكلما كان غضبك من المعاناة أعمق، صار تأصيل هذا الغضب في كون لا أحد فيه أصعب.
ما الذي تثبته هذه الحجة وما الذي لا تثبته؟
كن دقيقًا هنا، لأن المبالغة تخون جدية السؤال.
هذه الحجة لا تثبت لماذا عانى شخص معين، ولا تقدم سببًا لفقد محدد. ولا تدعي معرفة الغاية وراء مأساة بعينها؛ فهذا بالضبط ما قلنا إن زاوية النظر البشرية لا تراه. وهي لا تستبدل العزاء، ولا تطلب من أحد أن يشعر بألمه أقل.
ما تثبته أضيق: أن المعاناة، حتى المعاناة الرهيبة، ليست النقض الحاسم لخالق خير كما يظن كثيرون. الصيغة القوية للاعتراض تعتمد على شيئين لا تستطيع تقديمهما: ضمان أن السماح بالمعاناة يناقض الخير، وهو ما تنقضه الخبرة العادية، ويقين من منظور إلهي بأن معاناة محددة بلا غاية، وهو ما لا يملكه عقل محدود. وقوتها الوجدانية تعتمد على إحساس بخطأ موضوعي يشير هو نفسه إلى الخالق الذي تنازعه.
هذا يكفي ليبقى الجسر قائمًا. القضية التي بنيت في المقالات السابقة، أن خالقًا هادفًا موجود وأن علينا أن نتوقع تواصله، لا تهدمها المعاناة، مهما كان حملها ثقيلًا. يبقى سؤال الشر حقيقيًا، ويبقى مؤلمًا لكثيرين حتى بعد استقرار المنطق. لكنه كحجة ضد خالق خير لا يغلق الباب الذي يدعي إغلاقه.
ومن هنا لا يعود الأمر مسألة نقض بل مسألة اكتشاف: إذا كان الخالق الخير موجودًا رغم ثقل المعاناة، فإن ما قد يكون قاله عن تلك المعاناة، وأي معنى يربطه الوحي بها إن وجد، يصبح سؤالًا يستحق السعي لا الرفض. واختبار تلك الدعاوى بعدل وصرامة هو الطريق الذي تسلكه بقية هذه السلسلة.
