كيف نعرف؟ مصادر المعرفة
السؤال المركزي: ما الطرق المشروعة التي يعرف بها الإنسان أي شيء، وأين يبلغ كل طريق حدوده؟
خريطة واضحة للحس والعقل والشهادة والحدس، ولماذا يكون الوحي مرشحًا جادًا للأسئلة التي تتجاوز حدودها.

تقريبًا كل نقاش خضته يومًا، عن السياسة أو الإيمان أو حتى عمن ترك الباب مفتوحًا، يقوم في الخفاء على سؤال لا يكاد أحد يطرحه بصراحة: ما الذي يعد سببًا جيدًا للاعتقاد بشيء ما؟ قد ينظر شخصان إلى الأدلة نفسها ويصلان إلى نتيجتين متعارضتين لأن كل واحد منهما يلعب بقواعد مختلفة عما يعد دليلًا أصلًا. لذلك لا ينتهي الخلاف، لأنهما لا يختلفان في الوقائع فقط، بل في أي الوقائع يسمحان لأنفسهما باستعمالها.
قبل أن نزن أي دعوى محددة، عن الكون أو الخالق أو أي مسألة محل نزاع، توجد مهمة أسبق. ينبغي أن نعرض بوضوح الطرق التي يعرف بها الإنسان الأشياء فعلًا. ما قنوات المعرفة التي نملكها؟ ما مجال قوة كل واحدة منها؟ وأين تفشل إذا اعتمدنا عليها وحدها؟ ثم السؤال الذي تنتهي إليه هذه المقالة: هل هناك قنوات نستخدمها طوال حياتنا دون أن ننتبه، وهل هناك قنوات أخرى استبعدناها بصمت دون أن نفحصها؟
هذه ليست مسألة تقنية. إنها من أكثر المسائل عملية. فإذا اتضحت قواعد اللعبة، صار كل نقاش بعد ذلك أسهل حسمًا.
أربعة مصادر نستخدمها جميعًا
أيًا كان ما تؤمن به، وأيًا كانت طريقة تفكيرك، فأنت على الأرجح تستخدم الآن أربعة مصادر للمعرفة. لنأخذها واحدًا واحدًا.
الحواس. ما تراه وتسمعه وتلمسه وتشمّه وتذوقه. هذا أساس المعرفة التجريبية وأساس العلم. قوته أنه يضعنا في تماس مباشر مع العالم المادي؛ فلا بديل عن مشاهدة الشيء فعلًا. وحده من جهتين. فالحواس لا تبلغ إلا ما هو مادي ومشاهد وحاضر؛ ولا تستطيع وحدها أن تخبرك عن ماض لم تشهده، أو مستقبل لم يقع، أو شيء خارج مداها. وهي قد تخدع: أوهام، أخطاء، أدوات غير مضبوطة. لذلك فالمعطى الحسي قوي، لكنه يحتاج دائمًا إلى مصدر آخر يراجعه.
العقل. المنطق والاستدلال والرياضيات: عمل معرفة ما يلزم عن ماذا. العقل هو أكثر المصادر يقينًا داخل مجاله الصحيح؛ فالحجة السليمة من مقدمات صحيحة تعطي نتيجة صحيحة بثقة تامة. لكن لاحظ ما لا يستطيع العقل وحده أن يفعله. لا يستطيع أن يخبرك ما هي المقدمات أصلًا. يستطيع المنطق الخالص أن يثبت أنه إذا كان كل البشر فانون وسقراط بشرًا، فسقراط فان. لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرك هل كان سقراط موجودًا فعلًا، أو هل يموت البشر فعلًا. العقل يعالج المعلومات، لكنه لا يمدنا بها من ذاته.
الشهادة أو الخبر. ما تتعلمه من الآخرين: الوالدين، المعلمين، الكتب، الأخبار، الخبراء، والسجل التاريخي. وهذه حقيقة يمانعها كثيرون أول ما يسمعونها: أغلب ما تعرفه تعرفه عن طريق الخبر. أنت لم تر الذرات بنفسك؛ أخبرك بها كيميائي. ولم تشهد معركة هاستنغز؛ نقلها لك مؤرخ. وتصدق أن الأرض تدور حول الشمس اعتمادًا على شهادة الفلكيين، وتصدق وجود بلاد بعيدة اعتمادًا على شهادة المسافرين، وتعرف تاريخ ميلادك اعتمادًا على خبر والديك. انزع كل ما تقبله بالخبر، وما يبقى قليل إلى حد مدهش. قوة الشهادة في امتدادها؛ فهي تتيح لك الانتفاع بكل عقل بحث في شيء ما. وحدها أنها لا تكون أقوى من مصدرها: من الذي يشهد؟ وما سبب الثقة به؟ وهل سلسلة النقل موثوقة؟
الحدس أو البديهة. الإحساس المباشر بأن شيئًا ما حق أو باطل أو حسن أو قبيح، دون المرور بحجة خطوة خطوة. نعتمد على هذا أكثر مما نعترف. أنت تعرف بلا برهان تفصيلي أن تعذيب طفل للتسلية خطأ. وتعرف بلا برهان أنك لا تحلم الآن. وتعرف بلا برهان أن للآخرين عقولًا وحياة داخلية تشبه حياتك. حاول أن تستخرج هذه كلها من المنطق الخالص والحواس فقط، وستجد الأمر أصعب مما تظن، ومع ذلك يبدو الشك فيها لا خاطئًا فحسب بل عبثيًا. يصل الحدس إلى أمور يصعب على المصادر الأخرى تأسيسها. وحده أن الحدوس تختلف، وليس كل حدس يصمد للفحص؛ لذلك لا يؤخذ الحدس أخذًا أعمى، بل يختبر بسائر المصادر.
هذه هي العدة العملية. يكاد كل فعل من أفعال المعرفة يعتمد على تركيب ما من هذه الأربعة.
لماذا لا يكفي مصدر واحد؟
هنا تتسلل أكثر الأخطاء الحديثة شيوعًا. كثير من الناس اليوم يعملون، غالبًا دون أن يشعروا، بقاعدة تقول تقريبًا: إن لم يمكن قياس الشيء أو مشاهدته أو اختباره علميًا، فلا يعد معرفة حقيقية. يبدو هذا صارمًا ومتواضعًا. لكنه ليس هذا ولا ذاك، لأن أحدًا لا يستطيع أن يعيش به فعلًا.
تنهزم القاعدة بمجرد الضغط عليها. فقولك: لا يعد معرفة إلا ما يمكن اختباره علميًا، ليس هو نفسه قولًا علميًا. لا تستطيع أن تجري تجربة تثبته. إنه دعوى فلسفية عن المعرفة، أدخلت متنكرة في لباس علمي. وبحسب معيارها هي، تسقط هي نفسها.
وهي أيضًا تستبعد أمورًا يعتمد عليها قائلها كل يوم. فالتجريبي الخالص يثق بشهادة الكتاب الذي علمه التجريبية. ويستخدم المنطق، وهو أداة غير تجريبية، ليفكر في تجاربه. ويثق بحدسه أن الكون منتظم بما يكفي ليكون قابلًا للدراسة. احذف أيًا من هذه، وينهار المشروع كله. التجريبي يستخدم المصادر الأربعة بالفعل، لكنه اختار أن ينكر ثلاثة منها بصوت عال.
المقصود ليس مهاجمة العلم. العلم من أقوى الأدوات التي أنتجها العقل البشري، وطريقته صحيحة تمامًا لما صممت له. المقصود أن نعيده إلى موضعه الصحيح: العلم تطبيق منضبط لاثنين من المصادر الأربعة، الحواس والعقل، في الأسئلة التي يكون هذان المصدران فيها حاسمين. أما إذا كان السؤال خارج مداهما، فالعلم أداة غير مناسبة له، كمن يحاول قياس الحرارة بالكاميرا أو اللون بالميزان الحراري. الأداة سليمة، لكن المشكلة في عدم الملاءمة.
الأفضل أن نفكر في المصادر الأربعة كأدوات مختلفة، تقيس كل واحدة منها شيئًا حقيقيًا، وتغطي غالبًا عيوب الأخرى. الميزان الحراري لا يكشف اللون. والكاميرا لا تكشف الحرارة. فإذا لم تكن تملك إلا ميزانًا حراريًا ثم قلت: اللون غير حقيقي لأن أداتي لا تجده، فالخلل في عدتك لا في العالم. المعرفة السليمة تستخدم الأداة المناسبة للسؤال المناسب، وتستعين بالأدوات الأخرى لمراجعة الأولى.
كيف تراجع المصادر بعضها؟
المصادر الأربعة ليست خصومًا. إنها منظومة. كل واحد منها يصحح مواضع ضعف الآخر.
العقل يراجع الحواس؛ فعندما تخبرك عيناك أن العصا في الماء منكسرة، يخبرك العقل أنها ليست كذلك ويفسر السبب. والحواس تثبت العقل في الواقع؛ فالمنطق الخالص إذا دار بلا تماس مع الواقع قد ينتج هراء براقًا، أما الرجوع إلى ما يلاحظ فعلًا فيبقيه مربوطًا بالأرض. والشهادة توسع مداك إلى ما وراء الشريحة الضيقة التي تستطيع أنت مشاهدتها بنفسك، لكن العقل والحواس يساعدانك على وزن أي شهادة تستحق الثقة. والحدس يلتقط أمورًا قد تفوت المصادر الثلاثة الأخرى أو تحتاج زمنًا طويلًا لاستخراجها، لكن المصادر الأخرى تختبر أي الحدوس موثوق وأيها مجرد تحيز.
حين تؤيد مصادر عدة اعتقادًا واحدًا، ترتفع الثقة. وحين يقوم على مصدر واحد فقط، نمضي بحذر. وحين يخالف عدة مصادر معًا، فهناك مشكلة. هكذا يعمل التفكير الجيد فعلًا: لا باختزال كل شيء إلى مصدر واحد، بل بالموازنة بين الأربعة.
المحكمة صورة نافعة. فالمحاكمة الجادة لا تقبل نوعًا واحدًا من الأدلة فقط. هناك دليل مادي، واستدلال خبير على معنى ذلك الدليل، وشهادة شهود أو قرائن شخصية، وحكم أخلاقي عما يستنتجه الإنسان العاقل. لكل نوع ضعفه، لكنها معًا تصل إلى حكم لا يبلغه نوع واحد وحده. والمعرفة عمومًا تعمل بالطريقة نفسها.
السؤال الخامس واختبار صادق
الآن نصل إلى الجزء الذي يحتاج إلى أكبر قدر من الحذر، والذي ينبغي للقارئ أن يختبره بأشد ما يستطيع.
إذا كانت المصادر الأربعة معًا تغطي ما نستطيع معرفته: العالم المادي، وما يلزم عن ماذا، وما تعلمه الآخرون، والحقائق المباشرة التي لا نملك إلا الاعتراف بها، فهنا يظهر سؤال حقيقي: هل توجد أمور تستحق المعرفة لا يستطيع أي من هذه الأربعة أن يبلغها وحده؟
بعض الأسئلة تقع بوضوح خارج مداها المشترك. ماذا، إن كان هناك شيء، بعد الموت؟ ما الغاية النهائية من وجود الإنسان؟ هل يوجد خالق، وإن وجد فماذا يريد؟ الحواس لا تشاهد الجواب. والعقل يستطيع تضييق الاحتمالات لكنه لا يستطيع وحده أن يحسم ما وراء كل مشاهدة. والشهادة تنقل ما قاله الآخرون في هذه الأسئلة، لكن الآخرين في القارب نفسه؛ وشهادتهم لا تقوى إلا بقدر مصدرها. والحدس يعطي كثيرين إحساسًا قويًا بأن لهذه الأسئلة أجوبة، لكنه لا يعطي الأجوبة نفسها.
هذا يفتح احتمال مصدر خامس: الوحي، أي معرفة يهبها الخالق عن حقائق تتجاوز مدى المصادر الأربعة. لكن لا بد هنا من الانضباط، لأن من السهل أن نؤكد الوحي كمصدر خامس مساو ثم نمضي. من حق المفكر الجاد أن يسأل أولًا: هل هذا المصدر المقترح موجود فعلًا كشيء متميز، أم أنه يختزل في واحد من الأربعة السابقة؟
ويستحق اختبار الاختزال هذا أن يجرى علنًا، لأن المتشكك سيجريه في نفسه على كل حال.
هل يمكن أن يكون الوحي مجرد حالة خاصة من الشهادة، أي أخبار قديمة عن أناس قالوا إن الله كلمهم، لا تختلف في نوعها عن أي دعوى قديمة أخرى؟ جزئيًا نعم؛ فالوحي يصلنا عبر الشهادة. لكن مصدر الرسالة، إن كان حقيقيًا، ليس عقلًا بشريًا ينقل ما جمعه بالملاحظة، بل الخالق يبلّغ ما لا يعلمه إلا الخالق. هذا نوع مختلف من المصدر، كما يختلف شاهد المحكمة الذي رأى الجريمة عن شاهد يكرر شائعة. قد يكون طريق النقل بشريًا، لكن الأصل المدعى ليس بشريًا.
هل يمكن أن يكون مجرد حدس، أي تجارب داخلية قوية ظنها أصحابها اتصالًا إلهيًا؟ بعض ما يسمى وحيًا قد يكون كذلك فعلًا، ولهذا نحتاج إلى الاختبار. لكن الوحي الحقيقي، إن وجد، يحمل مضمونًا محددًا يمكن فحصه ومقارنته والتحقق منه، بخلاف الحدس الخاص. الحدس يقول لك إن شيئًا ما يبدو حقًا؛ أما الوحي فيقول شيئًا محددًا يمكن أن يكون خطأ إن لم يطابق الواقع.
هل يمكن أن يكون مجرد استدلال مزين، فلسفة في ثوب ديني؟ لا؛ فالاستدلال يستخرج نتائج من مقدمات، أما الوحي فيدعي أنه يمدنا بمقدمات لم يكن للعقل طريق مستقل إليها. هذان عملان مختلفان.
إذن فالوحي، إن كان حقيقيًا، متميز حقًا عن الأربعة، ولا يختزل فيها. هذا يكفي ليكون مصدرًا مرشحًا. لكنه لا يكفي ليكون مصدرًا مثبتًا. فالترشح يأتي بشرط لا تواجهه المصادر الأربعة بالطريقة نفسها: لأن كل أحد يستطيع أن يدعي الوحي، ولأن الدعاوى تتناقض، فلا بد أن تختبر كل دعوى وحي قبل الاعتماد عليها.
انتبه إلى ما تقوله هذه المقالة وما لا تقوله. هي لا تقول إن الوحي واقع. بل تقول إن الوحي من نوع المصدر الذي يمكن أن يكون واقعًا، وأنه لا ينهار إلى أحد المصادر الأخرى، وأنه، إن كان واقعًا، يملأ فجوة تتركها الأربعة مفتوحة. أما هل دعوى وحي معينة صادقة، فذلك سؤال آخر، وليس سؤالًا صغيرًا. يحتاج إلى منهج مستقل.
أين يتركنا هذا؟
قواعد اللعبة صارت واضحة: أربعة مصادر نستخدمها جميعًا، لكل واحد منها مجال قوة وحدود ضعف، وكل واحد منها يصحح الآخر. المعرفة الجيدة توازن بينها، والتفكير الرديء يرفع واحدًا ويسكت البقية. والخطأ الحديث الشائع هو العمل بقاعدة لا يستطيع أحد أن يعيش بها، ثم تسمية ذلك تواضعًا.
ومصدر خامس مرشح، هو الوحي، لا يختزل في غيره، ويتناول أسئلة لا تبلغها المصادر الأخرى، لكنه يأتي بشرط ثقيل: كل دعوى محددة إليه يجب أن تختبر بصرامة قبل أن تستحق الثقة.
ذلك الاختبار هو الحديث التالي. كيف يقيم الإنسان العادل دعوى وحي، دون أن يصمم الاختبار على النتيجة، ودون أن يرفضها مسبقًا، ودون أن يكتفي بالجواب الذي ورثه من بيئته؟ إلى هناك يقود الطريق.
